الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

68

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

أوتي رشدا وهديا . وكذلك الإخبار عن إيتاء الرشد إبراهيم بإسناد الإيتاء إلى ضمير الجلالة لمثل ما قرّر في قصة موسى وهارون للتنبيه على تفخيم ذلك الرشد الذي أوتيه . والرشد : الهدى والرأي الحق ، وضده الغي ، وتقدم في قوله تعالى : قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ في [ سورة البقرة : 256 ] . وإضافة الرُّشْدُ إلى ضمير إبراهيم من إضافة المصدر إلى مفعوله ، أي الرشد الذي أرشده . وفائدة الإضافة هنا التنبيه على عظم شأن هذا الرشد ، أي رشدا يليق به ؛ ولأن رشد إبراهيم قد كان مضرب الأمثال بين العرب وغيرهم ، أي هو الذي علمتم سمعته التي طبقت الخافقين فما ظنكم برشد أوتيه من جانب اللّه تعالى ، فإن الإضافة لما كانت على معنى اللام كانت مفيدة للاختصاص فكأنه انفرد به . وفيه إيماء إلى أن إبراهيم كان قد انفرد بالهدى بين قومه . وزاده تنويها وتفخيما تذييله بالجملة المعترضة قوله تعالى : وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ أي آتيناه رشدا عظيما على علم منا بإبراهيم ، أي بكونه أهلا لذلك الرشد ، وهذا العلم الإلهي متعلق بالنفسية العظيمة التي كان بها محل ثناء اللّه تعالى عليه في مواضع كثيرة من قرآنه ، أي علم من سريرته صفات قد رضيها وأحمدها فاستأهل بها اتخاذه خليلا . وهذا كقوله تعالى : وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ [ الدخان : 32 ] وقوله تعالى : اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رسالاته [ الأنعام : 124 ] . وقوله مِنْ قَبْلُ أي من قبل أن نؤتي موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا . ووجه ذكر هذه القبلية التنبيه على أنه ما وقع إيتاء الذكر موسى وهارون إلا لأن شريعتهما لم تزل معروفة مدروسة . و إِذْ قالَ ظرف لفعل آتَيْنا أي كان إيتاؤه الرشد حين قال لأبيه وقومه : ما هذِهِ التَّماثِيلُ إلخ ، فذلك هو الرشد الذي أوتيه ، أي حين نزول الوحي إليه بالدعوة إلى توحيد اللّه تعالى ، فذلك أول ما بدئ به من الوحي . وقوم إبراهيم كانوا من ( الكلدان ) وكان يسكن بلدا يقال له ( كوثى ) بمثلثة في آخره بعدها ألف . وهي المسماة في التوراة ( أور الكلدان ) ، ويقال : أيضا إنها ( أورفة ) في ( الرها ) ، ثم سكن هو وأبوه وأهله ( حاران ) وحاران هي ( حرّان ) ، وكانت بعد من بلاد الكلدان كما هو مقتضى الإصحاح 12 من التكوين لقوله فيه : « اذهب من أرضك ومن